بقلم : عبدالعظيم محمد الضامن
في الخامس من أكتوبر من كل عام، يطلّ اليوم العالمي للمعلم، حاملاً معنى يتجاوز الاحتفاء العابر؛ فهو يوم تستعيد فيه الذاكرة وجوهًا وقفت أمام السبورة، تحمل رسالة، وتؤدي أمانة، وتؤمن بأن بناء الإنسان أعظم ما يمكن أن يُبنى.
فالمعلم ليس موظفًا تنتهي علاقته بطلابه عند قرع جرس الانصراف، بل إنسان يترك في نفوسهم شيئًا منه؛ كلمة، أو موقفًا، أو ابتسامة، أو ثقة بالنفس، تظل ترافقهم في دروب الحياة.
وحين يأتي هذا اليوم، أعود بذاكرتي إلى سنوات طويلة قضيتها في ميدان التعليم، فأكتشف أن أجمل ما بقي منها ليس عدد سنوات الخدمة ولا تفاصيل السجلات، وإنما الوجوه؛ وجوه الزملاء والطلاب، وأسماء ارتبطت بمرحلة من العمر، حتى أصبح استحضارها كافيًا ليعيد إلى القلب دفء الأيام الماضية.
من مدرسة الإدريسي بالدمام، أتذكر زملاء أعزاء، منهم داوود المغلوث، وصالح المؤمن، وعبدالمنعم الصاغة، وفيصل المؤمن، وغيرهم ممن شاركوني رحلة مهنية وإنسانية لا تزال حاضرة في الذاكرة.
وفي مدرسة سنابس المتوسطة، أتذكر طلابًا أحببتهم، منهم محمد البدر وأحمد سالم. ثم تأخذني الذاكرة إلى مدرسة قيس بن سعد بالربيعية، فتتوالى أسماء حسن أبو حسين، وعلي كويل، وحسين أوحيد، ومحمد الجيراني، ومحفوظ نصيف، وحسين جمعان، وغيرهم كثير.
أما مدرسة ابن القيم المتوسطة بسيهات، فلها نصيب وافر من الذكريات؛ محمد الشافعي، ومحمود زواد، وعلاء داوود، وماهر داوود، ومحمود الدبيس، وعبدالإله مطر، وعبدالغفور مطر، ومصطفى الزاكي، وحسين الزاكي، وغيرهم ممن مروا في حياتي، ثم مضوا إلى دروبهم، تاركين أثرًا لا تمحوه السنوات.
وما أعجب شأن المعلم! يقضي سنواته وهو يظن أنه يعلّم طلابه، ثم يكتشف أنهم علّموه الكثير؛ علّموه أن الكلمة الطيبة قد تعيش أطول من صاحبها، وأن ابتسامة المعلم قد تبقى في ذاكرة طالب أكثر من درس كامل، وأن موقفًا صغيرًا في نظر المعلم قد يكون عظيمًا في حياة طالب.
لذلك، كلما التقيت بأحد طلابي القدامى، لا أراه مجرد طالب جلس يومًا على مقعد في الفصل، بل أراه جزءًا من مرحلة من عمري. أفرح برؤيتهم، وأفرح أكثر حين أراهم يحققون نجاحاتهم، ويبنون أسرهم، ويتحملون مسؤوليات الحياة. فمن أجمل ما يناله المعلم أن يرى بذوره وقد أصبحت أشجارًا، وأن يرى أولئك الصغار رجالًا يشاركون في بناء المجتمع.
وفي السنوات الأخيرة من خدمتي التعليمية، كنت أحرص على أن يكون ليوم المعلم حضور يليق به. كنت أشتري الورد لجميع المعلمين، ثم أختار مجموعة من الطلاب لتوزيعه على معلميهم. لم يكن الورد هو المقصود، بل كانت الغاية أن نزرع عادة الوفاء، وأن يتعلم الطالب أن من علّمه حرفًا يستحق كلمة شكر، وأن الوفاء للمعلم ليس مناسبة موسمية، بل خلق من أخلاق المجتمع.
واليوم، حين يمر يوم المعلم دون أن يجد المعلم من يتذكره، أشعر أن شيئًا جميلًا ينقص هذا اليوم. ما أجمل أن يزور الطلاب معلميهم، أو يرسلوا إليهم رسالة تقول: «ما زلت أذكر فضلك». وما أجمل أن تفتح المدارس أبوابها لمعلميها السابقين، وأن يجد المعلم المتقاعد من يقول له: «لم ننْسَك». فهذه الكلمة وحدها قد تكون أبلغ تكريم.
إن الأمم التي تعرف قيمة المعلم تعرف قيمة المستقبل؛ فهو يقف في أول الطريق، حين تكون العقول غضّة والأحلام في بداياتها، فيغرس ويهذب ويوجه ويصبر، مؤمنًا بأن الطالب الذي يجلس أمامه اليوم قد يصبح غدًا طبيبًا أو مهندسًا أو عالمًا أو قائدًا أو أبًا يربي جيلًا جديدًا.
ولا يقاس أثر المعلم بعدد الطلاب الذين درّسهم، ولا بعدد السنوات التي قضاها في المدرسة، بل بما تركه في الإنسان. قد ينسى الطالب درسًا شرحه معلمه قبل أعوام، لكنه لا ينسى كلمة تشجيع قيلت له حين كان يحتاج إلى من يؤمن به. فالمعلم لا يكتب اسمه على السبورة فقط، بل يكتبه في ذاكرة أجيال.
وبعد سنوات، قد يلتقي المعلم طالبًا قديمًا، فيصافحه الطالب بحرارة ويقول: «أستاذي، هل تذكرني؟» عندها يدرك أن سنوات عمره لم تذهب سدى، وأن شيئًا منه بقي في ذاكرة طالب، أو في نجاح إنسان، أو في كلمة طيبة تتناقلها الأجيال.
لهذا يستحق المعلم أن يكون يومه يومًا استثنائيًا في حياة الشعوب. وفي هذا اليوم أقول لزملائي وطلابي وكل معلم حمل رسالته بإخلاص: مضت السنوات، وتغيرت الأماكن، لكن بعض الذكريات لا تتقاعد.
وأجمل هدية للمعلم ليست وردة تذبل ولا شهادة تُعلّق على جدار، بل أن يجد بعد سنوات طالبًا يقول له: «ما نسيتك، وما نسيت ما علمتني».
وكما قال أحمد شوقي:
قُم للمعلم وفّه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا

