الدمام –
كان للوقت موعدٌ ينتهي عنده، وللأسئلة رغبةٌ في البقاء، وبينهما امتدت أمسية “حين تكتب النفس حكايتها”، التي نظّمها “نادي القصة القصيرة” في “بيت الثقافة بالدمام”، حيث قاد الحوار عن الأدب والنفس إلى حوار أوسع عن الإنسان؛ ما يخفيه خلف كلماته، وما يبوح به عبر شخصيات يمنحها أسماءً وحيواتٍ على الورق.
الأمسية التي نظّمها النادي مساء السبت 10 أكتوبر 2026م، جمعت الكاتب والمرشد النفسي د. الدكتور عائض القحطاني، والكاتبة والإعلامية حليمة بن درويش، وسط حضور كثيف ومتنوّع من المهتمين بالأدب والثقافة، وجاء تزامنها مع اليوم العالمي للصحة النفسية ليزيد أسئلتها قرباً من الحياة.
واستهلّ الأستاذ سلمان الراشد، رئيس النادي، اللقاء بالترحيب بالضيوف والحضور، قبل أن تبدأ رحلةٌ إلى الداخل: إلى منابع الحكاية في الخوف والرغبة والندم والفقد، وإلى تلك اللحظة التي يكتب فيها القاص شخصيةً، فيكتشف معها شيئاً من النفس لم يكن يعرفه.
وأغنى الضيفان النقاش بخبرتهما، حيث منح تلاقي الخبرتين الأمسية اتساعاً في الرؤية، وفتح بين المعرفة النفسية والتعبير الأدبي مسالك لفهم الإنسان داخل الحكاية.
واتسم الحوار بتناغم عالٍ بين الضيفين، وبينهما وبين عبدالرؤوف الطويل، الذي أدار الأمسية؛ فتتابعت الأفكار بسلاسة، وأضاءت المقاربات المتعددة جوانب الموضوع، في إيقاع أتاح للأسئلة أن تتعمق وللنقاش أن يحتفظ بحيويته.
ومن منابع الحكاية، انتقل اللقاء إلى شخصياتها: كيف تتسع القصة القصيرة لعالم داخلي مزدحم؟ وكيف يكشف فعلٌ عابر أو حوارٌ مقتضب عن رغبة مكبوتة أو خوف قديم؟ وما الذي يجعل تناقض الشخصية مقنعاً، ويمنح صمتها دلالة؟
واستوقفت الحاضرين أسئلة الحزن والفرح في الكتابة: لماذا تستدرج المآسي أقلام الكتّاب؟ وما الذي يحتاجه الفرح والحب ليُكتبا بالعمق ذاته؟
واتصل بذلك نقاش عن حضور التجربة الشخصية في النص، وعن الحدود بين ما عاشه الكاتب وما تخيّله، وبين فهم دوافع الشخصية وإسقاطها على صاحبها، كما تناول الحوار ما تتيحه الكتابة من تأمل للذات والتجارب الصعبة، وحدود القراءة النفسية للعمل الأدبي.
وحضرت النصوص إلى جانب النقاش؛ فقرأت بن درويش قصةً قصيرةً أوضحت من خلالها وجهة نظرها، فيما قرأ القحطاني جزءاً من نص كتبه خصيصاً للأمسية، معلناً ولادة أول قصة قصيرة له، لتجاور التجربة الإبداعية الأفكار المطروحة، وتمنح الحوار امتداداً في اللغة والشعور.
وكانت كثافة الحضور وتنوّعه امتداداً لهذا الثراء؛ فقد توالت المداخلات والأسئلة، وأضاف المشاركون رؤاهم إلى ما طُرح، فصار لكل فكرة أكثر من نافذة، وأبقى هذا التفاعل الحوار متقداً، حتى تجاوزت الأمسية الوقت المحدد لها، ووجدت في رغبة الجمهور بالمشاركة سبباً لمواصلة الحديث.
ومن بين المداخلات، برزت مشاركة عضو النادي الواعد الأستاذة شوق القارة، التي قدّمت نصاً من كتابتها، امتزجت فيه اللغة بالمشاعر وحسن الأداء، فبدت مشاركتها كخاتمة أدبية تجمع أصداء النقاش، وتردّ ما تفرّق من أفكاره إلى تجربة حيّة مسموعة، فيما أشاد الحضور والنقاد بتميز نصها.
لم تكن الكلمات الأخيرة على المنصة آخر كلمات المساء؛ إذ استمرت الحوارات الجانبية بعد انتهاء الأمسية، وعادت الأسئلة تتوزع بين الضيوف والحاضرين؛ فكرة تستدعي أخرى، وتجربة تفتح مجالاً للتأمل.
بقي للحكاية صوتٌ بعد الختام، وللنفس ما تقوله.
تصوير هشام الأحمد – الناشط محمد العبدالباقي


































































