بقلم المستشارة – وفية بنت ناصر الهايف
يحتفل العالم في العاشر من أكتوبر من كل عام باليوم العالمي للصحة النفسية، حاملًا في كل نسخة رسائل إنسانية عميقة تلامس واقع ملايين البشر. ويأتي شعار هذا العام ليمثل نقلة نوعية في فلسفة العلاج النفسي؛ إذ يرتكز على مفهوم جوهري مفاده: “أن صوتك سيصل إلينا”، مسلطاً الضوء على أهمية التجارب الحية والمسموعة كعنصر أساسي لا غنى عنه في صياغة الخطط العلاجية الفعالة.
لا يمكن لأي طبيب أو معالج نفسي أن يضع خطة علاجية وسلوكية متكاملة وناجحة بمعزل عن الإنصات العميق لقصة المريض. إن بناء جسور الثقة يبدأ حين يشعر المريض بأنه في “محطة أمان”، وحين يدرك المعالج أن جلسة أو جلستين من الاستماع الحقيقي لنفهم لا لنرد فحسب هي حجر الأساس في طريق التعافي. فالاستماع المتبادل — أن ينصت المعالج بعين الخبرة والتعاطف، وأن يجرؤ المريض على طلب المساعدة — يمثلان الوجهين لعملة واحدة لا يمكن فصلها في منظومة الصحة النفسية.
تتفاوت تجارب الأطباء والمعالجين بحسب عمق خبراتهم وكمّ الحالات التي تعاملوا معها، فالتخصص والاحترافية يظهران جلياً في قدرة المعالج على خلق بيئة شفافة وواضحة بهويتها وتخصصها، مما يمهد الطريق أمام المسترشدين للثقة المطلقة وطلب الاستشارة دون خوف أو تردي. فالطبيب أو المعالج الحق أينما كان موقعه، متى ما عمل بمبدأ الإنصات الحقيقي والتحدث الموزون، يستطيع أن يحدث فرقاً حقيقياً وتغييراً ملموساً نحو الأفضل في حياة مرضاه.
إن شعار هذا العام يدعونا جميعاً لنعي كل كلمة تحملها رسالة الصحة النفسية؛ فالتغيير الحقيقي لا يحدث بالقرارات الفوقية، بل يبدأ من احترام التجارب البشرية وصوت المريض الذي يملك القدرة على تغيير الواقع العلاجي نحو الأفضل.
نسأل الله أن يمتعنا جميعاً بالصحة النفسية المستقرة، وأن تظل مساحاتنا آمنة لكل صوت يبحث عن الإنصات، وكل روح تتطلع إلى الشفاء.
نحو بيئة تعافٍ شاملة: رؤية ممتدة للتدريب الميداني، الوعي المجتمعي، والتمكين المؤسسي
لا تقتصر جودة خدمات الصحة النفسية والرعاية السلوكية على توافر النظريات والكتب الأكاديمية فحسب، بل تعتمد بالدرجة الأولى على مدى كفاءة الممارسة الميدانية، والقدرة على الاستماع الواعي للجيل الجديد من المعالجين، إضافة إلى التكامل المؤسسي والأسري. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة الماسة إلى تبني توصيات ومقترحات متجددة سنوياً تهدف إلى تطوير المنظومة النفسية والسلوكية وتجاوز التحديات الراهنة.
تتطلب كفاءة الكوادر الطبية والنفسية إلزاماً وتدريباً مستمرين على المهارات العملية والتطبيقية، وفي مقدمتها مهارة الاستماع النشط. إن إعطاء المساحة الكافية للجلسات العلاجية المتعددة ليس رفاهية، بل هو شرط أساسي لاكتمال عملية التشخيص ودقتها.
ولتحقيق ذلك، يُوصى بربط المناهج النظريّة في المدارس والجامعات بالجانب التطبيقي الميداني منذ المراحل الأولى للدراسة؛ بحيث لا يتخرج المعالج وهو يملك فقط حصيلة نظرية، بل يدخل سوق العمل برصيد غني من الخبرة والتجربة الميدانية التي تمكنه من الربط بين النظرية والتطبيق بفاعلية.
لضمان معالجة دقيقة للمشكلات السلوكية والاضطرابات النفسية وقضايا الإدمان والتعاطي، يُقترح إنشاء إدارات أو مجالس استشارية في كل وزارة ومؤسسة ومركز عبر مختلف القطاعات.
تضم هذه المجالس أصحاب “التجارب الحية” والخبراء الذين تعاملوا مباشرة مع أعداد كبيرة من الأفراد ولامسوا معاناتهم عن قرب، مما يمنح متخذي القرار رؤية واقعية وعميقة تشكل أساساً للسياسة العلاجية والوقائية.
يبدأ الوعي والحماية من داخل البيت؛ حيث تلعب الأسرة دوراً محوّراً في إزالة الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالطب النفسي والاستشارات النفسية.
• سرد القصص: من خلال تبني الأسر أسلوب الحكايات والقصص (سواء كانت حقيقية أم خيالية ذات مغزى)، ينشأ الأبناء في بيئة تتقبل الآخر وتتفهم التحديات النفسية.
• إرساء الثقة: يُسهم كسر حاجز الخوف في تشجيع الأبناء على التحدث بجرأة عن مشاعرهم وما يعانونه من (قلق، توتر، اضطرابات النوم أو الأكل، أو العزلة الاجتماعية).
• الوقاية المبكرة: التوثيق والحوار الأسري الدافئ يقرب أفراد العائلة من بعضهم البعض، وقد يتدارك المشكلات في بدايتها ويمنع تفاقمها دون الحاجة المستقبلية للتدخل الطبي في بعض الحالات.
لا يمكن أن تقتصر جهود التوعية والعلاج على وزارتي الصحة والتعليم فحسب، بل نحتاج إلى سياسات وإجراءات ملزمة واستراتيجيات صادرة عن المجالس العليا والوزارات المعنية بالمجتمع ككل.
التكامل المؤسسي: إن نشر الوعي النفسي والسلوكي مسؤولية مجتمعية عامة. وتأتي وزارة الثقافة في مقدمة القطاعات التي تمتلك أدوات مرئية ومسموعة قادرة على إحداث أثر مجتمعي واسع، وتغيير المفاهيم السائدة، وإيصال الرسالة إلى كل بيت.
ختاماً
إن النهوض بالصحة النفسية والسلوكية للمجتمع يتطلب منظومة متكاملة: تبدأ من الجامعة بتأهيل معالج متمكن ميدانياً، وتستمر في المؤسسات بمجالس استشارية خبيرة وسياسات ملزمة، وتكتمل في البيت بأسرة واعية تستمع لأبنائها وتكسر قيود الوصمة.

