خلف البزّة العسكرية… هم هناك ونحن هنا نعيش الأمان

في الجهة الأخرى من الوطن…
هناك رجال لا نراهم لا نعرف كيف يبدأ صباحهم ولا كيف يمضي ليلهم ولا كم مرة يفتح أحدهم هاتفه ليرى صورة طفلٍ تركه صغيرًا أو يسمع صوت أمٍ تقول له: انتبه لنفسك يا ولدي نحن هنا نعيش تفاصيل الحياة الصغيرة دون أن نفكر كثيرًا في ثمن هذا الأمان نخرج إلى أعمالنا نجلس مع أهلنا، نحتسي قهوتنا نختلف على أشياء تافهة نشتكي من زحام الطريق، ومن الحر، ومن طول الانتظار…بينما هناك في الحد الجنوبي رجال يقفون في الجهة الأخرى من كل هذه التفاصيل
رجال من وزارة الدفاع السعودية يحملون السلاح لا لأنهم لا يخافون بل لأنهم اختاروا أن يكونوا في المكان الذي يحتاج إلى من لا يتراجع قد يكون أحدهم أبًا ينتظره أطفال لا يفهمون تمامًا لماذا يطول غيابه وقد يكون ابنًا لأم تجلس كل ليلة وهي تحاول أن تطمئن قلبها بالدعاء
وقد يكون زوجًا ترك خلفه بيتًا وامرأة تحاول أن تبدو قوية أمام أبنائها بينما قلبها معلق بكل اتصال يأتي من هناك
نحن أحيانًا نختصر الجندي في بزته وسلاحه ومهمته

لكن خلف ذلك كله إنسان إنسان يتعب يشتاق يخاف يمرض يفكر ويحنّ وربما تأتيه لحظة يشتد فيها عليه التعب أو ينهكه المرض أو تثقل عليه الأيام لكنه لا يملك رفاهية أن يقول: سأتوقف قليلًا فكيف تكون نفسيته؟
كيف يقضي ساعات الانتظار؟
بماذا يفكر حين يهدأ كل شيء من حوله؟هل يتذكر أبناءه؟
هل يفتح صورهم؟ هل يتخيل أول لحظة سيعود فيها إلى البيت؟ هل يتساءل ماذا كبر منهم أثناء غيابه؟
هل يتذكر أمه وزوجته وهي تدعو له؟وهل تمر في رأسه ولو لثوانٍ فكرة الموت؟
ربما فالإنسان لا يتوقف عن كونه إنسانًا لمجرد أنه ارتدى الزي العسكري لكن الفارق أن بعض البشر يعيشون يومهم وهم يخططون لغدهم…بينما هناك من يقضي يومه وهو يعلم أن الغد ليس مضمونًا
وهنا أشعر أننا مدينون لهم بشيء أبسط مما نتخيل:أن نتذكرهم ليس بالضرورة بكلمات كبيرة ربما بدعوة صادقة في ظهر الغيب وربما بكلمات تشجيع ولفتة شكر نبثها لهم في رسالة بين ثنايا الأيام التي تتعاقب وهم بعيدون عنا غائبون بأجسادهم حاضرون بأرواحهم معنا أن نقول:
اللهم احفظ جنودنا وردهم إلى أهلهم سالمين واشدد على قلوبهم واشفِ مريضهم وقوِّ متعبهم واحفظ من ينتظرهم واجعل لهم من كل خوف أمنًا ومن كل تعب راحة يارب سهل عليهم العسير وأطوي عنهم تلك الوحشة التي تلتهم أرواحهم وتنفذ صبرهم
فنحن نعيش في أمانٍ قد أصبح بالنسبة لنا أمرًا طبيعيًا…وهم يقفون في مكان يجعل هذا الأمان ممكنًا هم يفتقدون أبناءهم…ونحن نملك أبناءنا أمام أعيننا هم يشتاقون إلى بيوتهم…ونحن ننام في بيوتنا مطمئنين هم قد يرفعون أيديهم بالدعاء أن يحفظهم الله…
فهل نرفع أيدينا نحن أيضًا بالدعاء لهم؟ كم مرة دعونا لأنفسنا؟ وكم مرة تذكرنا أولئك الذين يقفون بعيدًا عنا كي نستطيع نحن أن نقف هنا دون خوف؟ ربما لا نملك أن نذهب إليهم ولا نملك أن نحمل عنهم التعب ولا أن نعيد إليهم الساعات التي قضوها بعيدًا عن أهلهم

لكننا نملك شيئًا لا يكلفنا شيئًا…أن نتذكرهم أن نجعل لهم نصيبًا من دعائنا فخلف كل جندي في الميدان عائلة تنتظر ووراء كل خوذة قصة وخلف كل وجه ثابت قلبٌ قد يكون ممتلئًا بالحنين

ولعل أكثر ما يؤلم في الحكاية أننا لا نشعر بحجم ما يفعلونه إلا حين نتخيل للحظة واحدة أن المسافة بيننا وبين الخطر والموت أصبحت قريبة جدًا هناك في الحد الجنوبي قد تكون المسافة بين الحياة والموت لحظات…وهنا بيننا وبينهم لا ينبغي أن تكون المسافة بين الدعاء والدعاء طويلة
هم يحرسون حدود الوطن بأرواحهم…فلنحرسهم نحن بالدعاء فقد لا يعرف الجندي اسم من دعا له الليلة…
لكن الله يعرف وربما تكون دعوة صادقة من قلبٍ لا يعرفه سببًا في أن يعود ذات يوم إلى البيت…فتفتح له ابنته ذراعيها وتقول:بابا… تأخرت علينا فيبتسم…
لأن بعض التأخير يستحق أن ننتظره عمرًا كاملًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top